العيني

227

عمدة القاري

واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة لا يصيبهم منها إلاَّ ما يلين الجلود وتلذ النفوس ، وعن مجاهد : كان قد آمن معه أربعة آلاف ، فذلك قوله تعالى : * ( ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه ) * ( هود : 85 ) . فكانت الريح تقلع الشجر وتهدم البيوت ومن لم يكن منهم في بيته أهلكته في البراري والجبال . وقال السدي : لما رأوا أن الإبل والرجال تطير بين السماء والأرض في الهواء تبادروا إلى البيوت فلما دخلواها دخلت الريح وراءهم فأخرجتهم منها ثم أهلكتهم ، ثم أرسل الله عليهم طيراً سوداً فنقلتهم إلى البحر فألقتهم فيه . ثم إن هوداً ، عليه الصلاة والسلام ، بقي بعد هلاك قومه ما شاء الله ثم مات وعمره مائة وخمسون سنة ، وحكى الخطيب عن ابن عباس أنه عاش أربعمائة وستين سنة ، وكان بينه وبين نوح ثمانمائة وستين سنة . واختلفوا : في أي مكان توفي ؟ فقيل : بأرض الشحر من بلاد حضرموت وقبره ظاهر هناك ذكره ابن سعد في ( الطبقات ) ، وعن عبد الرحمن بن ساباط : بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبياً ، وأن قبر هود وشعيب وصالح وإسماعيل ، عليهم الصلاة والسلام ، في تلك البقعة ، وقيل : بجامع دمشق في حائط القبلة ، يزعم بعض الناس أنه قبر هود ، والله أعلم . وقال ابن الكلبي : لم يكن بين نوح وإبراهيم من الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، إلاَّ هود وصالح . فِيهِ عنْ عَطَاءٍ وسُلَيْمَانَ عنْ عَائِشَةَ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أي : في هذا الباب روي عن عطاء بن أبي رباح ، ووصل هذا التعليق البخاري في : باب ما جاء في قوله تعالى : * ( وهو الذي أرسل الرياح ) * ( الفرقان : 84 ) . عن مكي بن إبراهيم عن ابن جريج عن عطاء عن عائشة ، قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم . . . الحديث . قوله : ( وسليمان ) ، أي : وعن سليمان بن يسار عن عائشة ، ووصل هذا التعليق في تفسير سورة الأحقاف ، وقال : حدثنا أحمد بن وهب أخبرنا عمرو أن أبا النضير حدثه عن سليمان بن يسار عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : ما رأيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ضاحكاً حتى أرى منه لهواته . . . الحديث . 9 ( ( بابُ قَوْلِ الله عزَّ وجلَّ * ( وأمَّا عادٌ فأُهْلِكُوا بِريحٍ صَرْصَرٍ ) * شَدِيدَةٍ * ( عَاتِيَةٍ ) * ( الحاقة : 8 ) . قالَ ابنُ عُيَيْنَةَ عَتَتْ عَلى الخُزَّانِ سَخَّرَهَا علَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وثَمَانِيَةَ أيَّامٍ حُسومَاً مُتَتَابِعَةً فتَرَى القَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كأنَّهُمْ أعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ أُصُولُها فَهلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ بَقِيَّةٍ ) ) أي : هذا باب في بيان تفسير قول الله تعالى : * ( وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية . سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية ) * ( الحاقة : 8 01 ) . قوله : ( وأما عاد ) عطف على ما قبله ، وهو قوله : * ( فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية ) * ( الحاقة : 7 ) . وقصة عاد مرت في الباب السابق ، وقد فسر البخاري : الصرصر بقوله : شديدة عاتية ، وعاتية من عتا يعتو عتواً إذا جاوز الحد في الشيء ، ومنه العاتي : وهو الذي جاوز الحد في الاستكبار . قوله : ( قال ابن عيينة ) أي : سفيان بن عيينة ، عتت أي الريح على الخزان ، بضم الخاء جمع خازن وهم الملائكة الموكلون بالريح ، يعني : عتت عليهم فلم تطعهم وجاوزت المقدار ، وقيل : عتت على خزانها فخرجت بلا كيل ولا وزن ، وعن عباس : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( ما أرسل الله تعالى نسمة من ريح إلاَّ بمكيال ، ولا قطرة من مطر إلاَّ بمكيال إلاَّ يوم عاد ويوم نوح طغت على الخزان فلم يكن لهم عليها سبيل ) وقيل : الصرصر شديد الصوت لها صرصرة ، وقيل : ريح صرصر باردة من الصر كأنها التي كرر فيها البرد وكثر فهي تحرق بشدة بردها . قوله : ( سخرها ) ، يعني أرسلها وسلطها عليهم ، والتسخير استعمال الشيء بالاقتدار . قوله : ( حسوماً ) ، فسره البخاري بقوله : متتابعة ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وقال الضحاك : كاملة لم تفتر عنهم حتى افنتهم ، وقال عطية : حسوماً كأنها حسمت الخبر عن أهلها . وقال الخليل : قطعاً لدابرهم ، والحسم القطع والمنع ، ومنه حسم الرضاع ، وقال النضر ابن شميل : حسمهم قطعهم ، وانتصاب حسوماً على الحال ، قال الزمخشري : الحسوم إما جمع حاسم كشهود جمع شاهد ، وإما مصدر كالكفور والشكور ، فإن كان جمعاً يكون حالاً يعني : حاسمة ، وإن كان مصدراً يكون منصوباً بفعل مضمر أي : يحسم حسوماً بمعنى يستأصل استئصالاً ، أو يكون صفة كقولك : ذات حسومٍ أو يكون مفعولاً له ، أي : سخرها عليهم للاستئصال .